عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

160

اللباب في علوم الكتاب

الإنسان بالزّنا واللّواط والقذف ، وإفساد العقول بشرب المنكرات ، فهذا النّهي يقتضي منع إدخال ماهيّة الفساد في الوجود بجميع أنواعه وأصنافه . وقوله : « بعد إصلاحها » يحتمل أن يكون المراد بعد أن صح خلقها على الوجه المطابق لمنافع الخلق ، ويحتمل أن يكون المراد بعد إصلاح الأرض ببعثة الرّسل ، وإنزال الكتب ، وتفصيل الشّرائع . قوله : وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً . هذان حالان ، أي : ادعوه ذوو خوف وطمع ، أو خائفين طامعين ، أو مفعولان من أجلهما ، أي : لأجل الخوف والطّمع . فإن قيل : قد قال في الآية الأولى : « ادْعُوا رَبَّكُمْ » ، ثم قال هاهنا : « وادعوه » ، وهذا يقتضي عطف الشّيء على نفسه ، وهو باطل . والجواب : أنّ الّذين فسروا قوله : « ادْعُوا رَبَّكُمْ » بأنّ المراد به العبادة ، قالوا : المراد بهذا الدّعاء الثّاني هو الدّعاء نفسه . وأمّا الذين قالوا : المراد بقوله : « ادْعُوا رَبَّكُمْ » هو الدّعاء قالوا : المراد بهذا الدّعاء أن يكون الدّعاء المأمور به أوّلا مقرونا بالتّضرّع ، والأخفاء ، ثم بيّن هاهنا أنّ فائدة الدّعاء أحد هذين الأمرين . فالأولى في بيان شرط صحّة الدّعاء . والثانية في بيان فائدة الدّعاء ومنفعته . قوله : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ إنّما لم يؤنّثها وإن كانت خبرا لمؤنث لوجوه : منها أنّها في معنى الغفران والعفو والإنعام ، فحملت عليه ، قاله النّضر بن شميل واختاره الزّجّاج « 1 » . قال سعيد بن جبير : الرّحمة هاهنا الثّواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [ النساء : 8 ] ولم يقل : « منها » ؛ لأنّه أراد الميراث والمال . ومنها أنها صفة لموصوف مذكّر حذف ، وبقيت صفته ، والتّقدير : إنّ رحمة اللّه شيء قريب . ومنها : أنها في معنى العفو أو المطر ، أو الرحم . ومنها : أنّها على النّسب كحائض ولابن وتأمر ، أي : ذات حيض . ومنها : تشبيه فعيل بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول ، فيستوي فيه المذكّر والمؤنّث

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 2 / 380 .